الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
172
نفحات القرآن
والمراد من ( سلطان مبين ) هنا هي الحكومة التي أعطاها اللَّه عزّوجلّ لموسى عليه السلام فقد غلب المعارضين من الناحية الظاهرية ومن الناحية المنطقية والاستدلالية ، ويعتقد بعض المفسّرين كالطبرسي في مجمع البيان بأنّ النصر هنا من الناحية المنطقية فقط « 1 » . دعني أرى اللَّه في السماء ! في الآية الثالثة مقالة تفوّه بها فرعون في هذا الشأن ، وهي توضّح أفكار الشعب المصري آنئذ ، فقد ألقى هذه المقالة في عصر كان لاسم موسى وانتصاره على السحرة صداه في مصر بأسرها ، ولمّا شعر فرعون بخيبة أمل شديدة رأى أن يعمل شيئاً يصرف به أنظار الناس عن موسى عليه السلام ومعجزاته : « وَقَالَ فِرعَونُ يَاأَيُّهَا المَلَأُ مَا عَلِمتُ لَكُم مِّن إِلَهٍ غَيرِى » « 2 » ، ولذا أرى أنّ دعوة موسى إلى ربّ السماء والأرض خاطئة ، وبما أنّي من أهل التحقيق ، فقد خطر ببالي شيء يظهر به صدق موسى أو كذبه ، قم يا هامان : « فَاوقِدْ لِى يَاهَامَانَ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِّى صَرْحاً لَّعلّى أَطَّلعُ إِلَى إِلَهِ مُوسى » « 3 » ، « وَإِنِّى لَأَظُنُّهُ مِنَ الكَاذِبِينَ » . ولا شكّ أنّ فرعون كان شديد المكر والدهاء وهو يدرك هذه القضايا الواضحة وهي أنّه ليس إلهاً ، وأنّ ما يقصده موسى من إله السماء ، هو خالقه لا أنّ اللَّه يسكن السماء حقيقة ، ولو تجاوزنا هذا الأمر وافترضنا أنّ اللَّه يسكن السماء فإنّه لا يمكن الوصول إليه ببناء برج عالٍ ، فمنظر السماء من على قمم الجبال في العالم هو المنظر الذي يشاهد من فوق سطح الأرض ، ولم تخف هذه القضايا علىفرعون . ولكن فرعون كان يفكّر في مخطّط آخر وأراد صرف الرأي العامّ الذي مال إلى موسى بشدّة وذلك بطرح هذه القضيّة المثيرة ، كما أرادَ أن يشغل مجموعة من الناس ولمدّة طويلة
--> ( 1 ) تفسير مجمع البيان ، ج 3 ، ص 134 . ( 2 ) يقول اللغويون في تفسير « ملأ » : يطلق هذا اللفظ على جماعة قد اجتمعوا على عقيدة واحدة وظاهرهم يملأالعيون ( من مادّة ملأ ) ومن هنا يستعمل هذا اللفظ بمعنى أشراف القوم ورؤسائهم وحواشي الملوك أيضاً . ( 3 ) « صرح » : في الأصل تعني الخلو من الشوائب ثمّ تطلق على القصور والبيوت العالية والجميلة لأنّها بلغت من الكمال في بنائها إلى درجة لا يوجد فيها عيب أو نقص .